محمد جواد مغنية
433
في ظلال نهج البلاغة
تطلب بالجد والتعاون كوسيلة لتأمين الحياة وتوافر أسبابها للجميع ، وان عبادة المال من دون اللَّه والحق تؤدي حتما إلى سيطرة الشر والفساد ، وإشاعة الأحقاد والأضغان . وأشار إلى سيرة أربعة من النبيين مع الدنيا كدليل على عيوبها ومخازيها ومساويها ، وبالأصح على عيوب من تهالك على الدنيا وزينتها وشهواتها ، وأول الأربعة محمد ( ص ) . ( إذ قبضت عنه أطرافها إلخ ) . . محمد ( ص ) هو الذي قبض يده عن الدنيا وأطرافها ، وفطم نفسه عن رضاعها ، فقد كانت أموال الجزيرة العربية في قبضته وطوع ارادته ، وكان يأتيه منها بمئات الألوف ، فيؤثر بها الناس على نفسه ، ويعيش كما تعيش الأسر الفقيرة . . وبعد قليل يعود الإمام في هذه الخطبة مرة ثانية إلى سيرة الرسول الأعظم ( ص ) ونعود معه إلى الشرح والتفصيل . ( وإن شئت ثنّيت بموسى ( ص ) إلخ ) . . خرج موسى من مصر خائفا يترقب أن تلحق به جلاوزة فرعون ، وسار ثمانية أيام في صحراء ممتدة الأطراف بلا زاد وراحلة ، وكان يأكل من نبات الأرض ، فأنهكه التعب والجوع حتى دق عظمه ورق جلده ، وتشقق لحمه ، وكان الناظر اليه يرى خضرة النبات في جوفه من شدة ضعفه وهزاله ، ولما بلغ إلى هذه الحال سأل ربه رغيفا يدفع به خطر الموت جوعا . . والعبرة أو الشاهد في سؤاله هذا ان الدنيا تطلب لسد الحاجة من المأكل والملبس والمسكن ، ولا تطلب لتكديس الثروات والتضاهي والتباهي ، ولو خلقها اللَّه لهذه الغاية لما زواها عن رسله وأنبيائه . ( وإن شئت ثلثت بداود إلخ ) . . تقول التوراة التي بين أيدينا : إن داود ارتكب خطايا يندى لها الجبين خجلا ، أما القرآن الكريم فقد أوصى محمدا ( ص ) أن يكون أوابا وصابرا على أعداء اللَّه كداود : * ( « اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الأَيْدِ ) * أي القوة - * ( اصْبِرْ عَلى ) * - 17 ص » . وفي كتب الحديث : إن داود كان كثير البكاء خوفا من اللَّه ، وانه كان يقوم الليل ويصوم النهار ، ولا يأكل إلا من كسب يده . . هذا ، وهو ملك وقد دام ملكه أربعين عاما . . ومحل الشاهد في سيرته ان الدنيا كانت في قبضته ، ولكنه أبى أن يأكل إلا من كد اليمين وعرق الجبين ، لأن اللَّه سبحانه لا يقول للعبد غدا : من أين لك هذا إلا إذا أخذه بلا كد وجهد . ( وإن شئت قلت في عيسى إلخ ) . . قال العقاد في حياة المسيح : « إن أسلوبه